أثار نقاشاً حول الاندماج.. تحوّل ديمغرافي في الهجرة لفرنسا يقوده الطلاب واللاجئون
أثار نقاشاً حول الاندماج.. تحوّل ديمغرافي في الهجرة لفرنسا يقوده الطلاب واللاجئون
كشف تقرير حديث صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية عن تحوّل ديمغرافي واضح في أنماط الهجرة الوافدة إلى فرنسا، يتمثل في تصاعد دور الطلاب واللاجئين بوصفهم المحرك الأساسي للهجرة النظامية، مقابل تراجع ملحوظ في الهجرة الاقتصادية التقليدية والعمالة الموسمية.
ويعكس هذا التحول مزيجًا من الخيارات السياسية والاعتبارات الإنسانية، إلى جانب تأثيرات سوق العمل المحلي، ما يفتح نقاشًا واسعًا حول مستقبل سياسات التعليم العالي والاندماج الاجتماعي وإدارة اليد العاملة.
وقالت صحيفة لوموند، اليوم الخميس، إن هذا التغير يعكس توجهًا استراتيجيًا لدى فرنسا لجذب المواهب الشابة والاستجابة للطلب الإنساني المتزايد، في وقت تشهد فيه بعض القطاعات الاقتصادية تباطؤًا في استقطاب العمالة الأجنبية.
وأضافت الصحيفة أن الأرقام الجديدة تطرح أسئلة جوهرية حول قدرة السياسات الحالية على تحقيق توازن بين متطلبات الاقتصاد والتزامات الحماية الدولية.
نصف الوافدين طلاب ولاجئون
أظهرت أحدث إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية، التي نُشرت مساء الأربعاء، أن نحو نصف الوافدين الجدد إلى فرنسا في عام 2025 كانوا إما طلابًا أو لاجئين.
ووفق الأرقام الرسمية، حصل أكثر من 380 ألف مهاجر من خارج الاتحاد الأوروبي على أول تصريح إقامة، بزيادة تقارب 11% مقارنة بعام 2024، في استمرار لاتجاه تصاعدي بدأ منذ عام 2011، حيث تضاعف عدد التصاريح الأولى الممنوحة خلال هذه الفترة.
وبيّنت البيانات أن فرنسا تضم حاليًا نحو 4.5 مليون أجنبي من خارج الاتحاد الأوروبي، يتصدرهم مواطنو دول المغرب العربي، يليهم الأتراك والبريطانيون والصينيون والإيفواريون، ما يعكس تنوعًا جغرافيًا واسعًا في تركيبة الهجرة المقيمة داخل البلاد.
تراجع طلبات اللجوء
سجّل التقرير مفارقة لافتة، إذ حصل 92 ألف شخص على تصاريح إقامة لأسباب إنسانية خلال 2025، بزيادة بلغت 65% مقارنة بعام 2024، رغم تراجع عدد طلبات اللجوء المسجلة إلى نحو 145 ألف طلب (-5.5%)، بحسب بيانات المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية.
وأوضح التقرير أن معدل منح الحماية بلغ مستوى قياسيًا، إذ حصل 52% من طالبي اللجوء على صفة لاجئ أو حماية فرعية، وهو أعلى معدل منذ بدء تسجيل هذه الإحصاءات في عام 2010.
ويُعزى هذا الارتفاع جزئيًا إلى الطلبات المقدمة من أفغان وأوكرانيين وهايتيين، ولا سيما النساء الأفغانيات اللواتي يمثلن نحو نصف الطلبات الأفغانية.
الطلاب في الصدارة
تصّدر المسار الطلابي أنماط الهجرة النظامية إلى فرنسا، مع استقبال 118 ألف طالب من خارج الاتحاد الأوروبي في عام 2025، بزيادة 6.4%، خصوصًا من الولايات المتحدة والصين والكاميرون.
ومنذ عام 2022، أصبحت الهجرة الطلابية القناة الأولى للدخول النظامي إلى فرنسا، متقدمة على باقي المسارات التقليدية.
وجاءت الهجرة العائلية في المرتبة الثالثة، مع إصدار 91 ألف تصريح أولي لأسباب عائلية، نحو نصفها لأفراد عائلات فرنسيين، وحتى عام 2021، كانت الهجرة العائلية السبب الأول لمنح التصاريح الأولية، وهو ما يفسر أن 1.5 مليون تصريح من أصل 4.5 مليون تصريح سارٍ يعود لهذا النوع من الهجرة.
تشديد في التسوية والترحيل
شهدت الهجرة المهنية، وللمرة الأولى منذ فترة طويلة، انخفاضًا بنحو 13% مع إصدار 51 ألف تصريح فقط، نتيجة تراجع فئات العمال المأجورين والموسميين، وفي المقابل، ارتفعت تصاريح “جوازات المواهب” المخصصة للعمال المؤهلين والعلماء ورواد الأعمال إلى 20 ألف تصريح، بزيادة 4.4%.
وأوضح المسؤول عن إحصاءات الهجرة بوزارة الداخلية، غيوم موردان، أن هذا التراجع يعكس ضعف سوق العمل والأجور في بعض القطاعات، دون أن يعني تراجع قدرة فرنسا على جذب الكفاءات العالية.
وفي السياق ذاته، أشار خبراء إلى ارتفاع ملحوظ في تجديد تصاريح العمل المهنية، ما يدل على استمرار الطلب على المهارات المتخصصة.
واختتم التقرير بالإشارة إلى انخفاض تسوية الأوضاع إلى أقل من 29 ألف حالة في 2025 (-10%)، نتيجة تشديد شروط الإقامة، مقابل ارتفاع عمليات الترحيل إلى 25 ألف شخص (+16%)، مع تسجيل تراجع في أعداد الجزائريين المرحلين بسبب توتر العلاقات الدبلوماسية بين باريس والجزائر، في مشهد يعكس تعقيد إدارة ملف الهجرة بين الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية.










